مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

ماذا قال؟؟ ماذا أقول ؟؟

مشروع قانون الأسرة المادة (95)


 

استكمالاً للمقالات السابقة حول مشروع قانون الأسرة والتعقيب على بعض النصوص التي تمس الحياة الأسرية وما لها من تأثير "سلبي" على الاسرة أو تكون سبباً للخلافات وتزايد عدد القضايا أمام المحاكم، نتناول هنا نص المادة (95) والتي جاء نصها "(الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقت بائناً بدون رضاها، ولا بسبب من قبلها، تستحق مع نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الاقل، وبمراعاة حال المطلق يسراً وعسراً، ومدة الزوجية، ويجوز ان يرخص للمطلق في سداد مبلغ المتعة على أقساط".
وقبل التعليق على هذه المادة نلاحظ من عدم الارتباط بين مواد القانون، ففي مقدمة القانون وحتى المادة (42) كلها مواد يظهر فيها أنها لصالح المرأة ومتحاملة على الرجل، بل ان هناك تعارضاً أحياناً وكما أن كل مادة جاء نصها منفرداً وليس له علاقة بباقي المواد.
والمادة (95) موضوع هذا المقال نجد أنها جارت كثيراً على حق الزوجة التي تطلق بدون طلب منها وبدون رغبتها  بل وبدون رضاها بمعني أنها غير قابلة بالطلاق ومتمسكة بالحياة مع هذا الزوج وترغب في إكمال حياتها معه الى اخر عمرها أي أن الزوج هو القائد وصاحب القرار في حالة الطلاق، وهذا حقه ولكن الجور هنا أن تقدر للزوجة نفقة عامين فقط كنفقة متعة و هذا هو الظلم العظيم -- فماذا لو كانت الزوجة قد بلغت من العمر أرذله وقضت شبابها وحياتها في سبيل راحة هذه الأسرة وربت الأبناء وتزوجوا فهل تضمن كرامتها وحياتها وباقي عمرها نفقة عامين؟؟ وكيف تبدأ حياتها بنفقة تسدد لها بالتقسيط لمدة غير محددة على هوى الزوج؟؟ وماذا لو هرب أو سافر ماذا سيكون مصيرها؟؟ هل تنفق ما تحصلت عليه بالبحث عنه لسداد المستحق لها في ذمته من نفقة؟؟
وماذا لو لم يكن لها ثمة دخل أو أي مورد مالي لها؟؟ خاصة إذا تعدت عمر الخمسين عاماً أو يفوق هل مصير هذه الزوجة التي لفظها زوجها عند كبرها تكفيها نفقة عامين؟؟ فهل هذه القيمة الضئيلة تعوضها عن عمرها وشبابها وعطائها؟؟ ثم يقال لها ارحلي حيث شئتي !! أم أنها تبحث عن دار مسنين تختم فيها أيام عمرها الباقية؟؟ أم أنها تسأل أبنائها إعالتها هذا إذا ما كانت حالتهم المادية تسمح بذلك؟؟ 
فالموظف يكون له مكافأة نهاية خدمة أو معاش تقاعد مدي حياته فهل من أفنت عمرها تحصل على مكافأة نهاية خدمة عامين نفقة؟؟ وماذا لو قدر لها القاضي نفقة للزوجة بحد أدنى خمسة الآف جنية شهرياً بمعنى عامين ١٢٠ ألف جنيهاً فهل هذا المبلغ يؤمن لها حياة كريمة في هذا العمر؟؟  ثم تقول المادة أنها تقدر على حال الزوج يسراً أو عسراً فكيف يتسنى للزوج المعسر أن يتزوج بأخري بعد أن يطلق رفيقة عمره بدون رضاها؟؟ وجميعنا يعلم أن الزوج الذي تقام ضده دعوى نفقة عادة يلجأ لكل الحيل الممكنة التي يظهر بها ضيق حاله وليس لديه ما يكفيه حتى لا يصدر ضده حكم بمبلغ يتناسب مع وضعه المادي القوي وأما الزوج المعسر فلن يدفع شيء أو حتى إذا قضت عليه المحكمة بمبلغ ضئيل يتناسب مع عسره فما ذنب هذه الزوجة التي لا حول لها ولا قوة والتي قبلت بالعيش مع هذا الزوج المعسر ومتحملة ظروفه ولم تطلب الطلاق، بل ولم ترض به فهل جزاءها تطليقها والتخلص منها بفتات العيش ويتركها لتسأل الناس اعطوها أو منعوها !!!.
قد يجيب البعض على ما ذكرته بأن المادة (31) من هذا القانون قد أوجب على الزوج عمل وثيقة تأمين لصالح الزوجة فإذا افترضنا جدلاً أن هذه الوثيقة سوف تطبق فعلياً وتظل سارية حتى تاريخ الطلاق فهل هنا تحصل الزوجة على قيمة الوثيقة بالإضافة إلى نفقة المتعة؟؟  أي أنها تحصل على تعويضين تجمع بين نفقة المتعة ووثيقة التأمين؟؟ وماذا عن مطالبة الزوجة بحقها في نسبة من ثروة زوجها لقاء العناء الذي قابلته في زيادة ثروة زوجها وفق ما جاء بنص المادة (33)؟؟  فهل تجمع الزوجة عند الطلاق بين حقها في جزء من ثروة زوجها ووثيقة التأمين ونفقة المتعة؟؟
يجب على المشرع أن يزيل الغموض الذي يشوب نصوص هذا القانون وأن يفسر النصوص الثلاث ... وأيهم أولى بالتطبيق؟؟ أم يتم الجمع بينهم وتستحق الزوجة كل ما جاء به القانون في المواد المشار اليها؟؟ فالمشرع أتى بنصوص غامضة ودون أن يضع لها أي تفسير وعليه أن يبين صراحة مقصد النصوص دون لبس أو غموض وألا يترك النصوص لاجتهاد الزوجين أو رجال القانون للتفسير والتأويل كلاً حسب هواه.. يجب ألا تترك النصوص "مبهمة" ومجهلة وتترك للتفسير والتأويل والتناقض والتضارب ... 
إن هذه المادة إذا طبقت منفردة مجردة عن باقي المواد الأخرى يجب أن تكون منصفة بحق الزوجة على الأقل والتي يمر على زواجها أكثر من 15 عاماً بنفقة تكفل لها حياة كريمة باقي عمرها أو يقضى لها بنفقة عام عن كل أربع أو خمس سنوات زواج وليس عامين من كامل عمر حياتها الزوجية. خاصة وأنه كبر عمرها يفوت عليها فرص الزواج مرة أخري وبذلك يكون الضرر المادي والمعنوي الذي يلحق بها ضرراً عظيماً يستحق أن يكرمها المشرع والا يجور عليها ... أتمنى على المشرع أن يعيد النظر في هذا النص ويكون منصفاً في حق الزوجة التي تطلق دون رضاها ودون طلب منها.

بقلم د. منى طه عامر
أستاذ القانون المدني
والمحكم الدولي
والمحامية بالنقض